مجموعة مؤلفين
18
نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )
ومن العجيب أنّه بعد هذا الدّليل القاطع يشكّ أحمد أمين في نسبة نهج البلاغة ، ويتبع في ذلك هوى هوار ، والصفدي دون تمحيص ومتابعة ودراسة للقرائن التاريخيّة . وآخرون ينفون النسبة بسبب السجع الشائع في أسلوب نهج البلاغة ، ومن القائلين بذلك أحمد أمين زعما منه أنّ السجع لم يكن موجودا في عصر الامام عليّ وإنّما وجد في العصر العباسي الثاني . وهو قول يملأ النفس بالخجل حين يصدر من أستاذ جامعيّ . وكأنّ أحمد أمين وأمثاله ممّن يزعمون هذا الزّعم لا يفرقون بين السّجع المطبوع الّذي عرف منذ العصر الجاهلي في أساليب العربية وجاء في القرآن وبعض الأحاديث النبويّة ، وبين السجع المصنوع الّذي ظهر في أساليب كتّاب ديوان الخليفة المقتدر وهو السجع الّذي صار صناعة لها قدرها في أواسط القرن الرابع على يد أبي الفضل بن العميد . الأسلوب المسجوع الّذي نلمسه للامام عليّ في نهج البلاغة إنّما هو من النوع المطبوع الّذي وجد في الجاهلية وصدر الاسلام حتى أواخر العصر الأمويّ . ولو لم يكن السجع المطبوع موجودا في صدر الاسلام لما قال جدّنا صلوات اللَّه عليه للصحابي الشّاعر عبد اللَّه بن رواحة : « إياك والسجع يا ابن رواحة » . والنهى عن الشيء دليل على وجوده . وكم لأحمد أمين من أخطاء أخجلتنا أمام رجال المذاهب الاسلامية باعتبارنا من الّذين تتلمذوا على يديه في جامعة القاهرة . « 1 » وأعجب من ذلك أنّ بعض الباحثين يعتمدون على نفي نسبة نهج البلاغة إلى الامام عليّ بما يجدونه في أسلوبه من أساليب منطقية وأخرى تقريرية وجودة لا نظير لها في حسن التقسيم ، ويظنون - خطلا منهم - أنّ هذه الأساليب المنطقية
--> ( 1 ) ومن طلب المزيد من الشرح والبسط فعليه بقراءة ما سننشره تحت عنوان : « مع طه حسين في نظرياته المستعارة وآرائه النسبية » .